فصل من رواية عين العدم ( ليلة إغتصابي ...ليلة موت العالم في عيني )

عبد الحق طوع إسبانيا

 

هيأت السرير، الوسادة والغطاء لنوم

تناولت قرص مهدئ لهشاشة وغليان الأعصاب مع كأس ماء بارد .

تحركت نحو النافدة ...بعد وقفة ونظرة عابرة على الأوراق البيضاء وصور المسيح ومريم العذراء وعلى رسالة الأب نيكولاس والتي تلخص أقصى مستويات الإقصاء ، الإغتراب ، الهم والمحنة ، الحيرة والقلق في كلمة واحدة :

أكتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب

قلت في نفسي :

ـ من....من أي محطة من العمر أبدء ؟

تصفو الرؤية وتضح معالمها . يطيب الحديث وتزهو الذاكرة وهي...وهي تعيد أنفاس المشاهد والأحداث، وتعطي إشارة شرارة الإنطلاق وتتحرك قوائم جياد عربة الحكي سفراً في منفى عتمة الأعماق...لتنظيم ومسايرة فوضاه ...ليوقع ودون ذرة خوف أو خجل : أول حرف لأول قبلة أو صفعة ، لأول......

من يخاف لايتقدم...

من أي محطة أبدء ؟

وكل المحطات حالة واحدة لجرح ...مع دورة الثواني ...الساعات...الأيام والفصول يزداد إتساعا وغورا....

فتحت النافذة . أغمضت عيني . تشممت هواءه الرطب ، رائحته ، سمعت زقزقة البجع ، هدير أمواجه وهي ترتطم على صفحات قارب الذاكرة وهناك في شساعة زرقتها...لاح غبش ضوء كدائرة ترتعش من البرد والظلام ، تحوم...تحوم حول طفل يجلس الى شاطئه .

**************

يهتز...

يقاوم الأمواج...إزدادت عنفا وشراسة .

ينخفض ... يهتز... يقاوم ...وفجأة على إثر...على إثر موجة عنيفة وصاخبة يهتز ... يصطدم بالصخور الشائكة ... ويغور... يغور في الأعماق ...

لايهم !!!

ليست هي المرة الأولى التي أعاين فيها مشهد غرقــــــــــــــه .

لايهم !!!

إن تعب البحر من بلع قواربي الورقية ...لن أتعب من الإستمتاع بلعبة صنع الأحلام .

ولما لا ؟؟؟؟

في يوم ما أركب قاربا بلحمه ودمه ...

ومن جديد فتحت محفظتي ، أخرجت دفتر التاريخ وبدون تحديد مزقت ورقة ...وأنا أتابع مزق قاربي الغريق وهي تطفو فوق الزبد ، وفي لمحة بصر ونشوة عارمة ، صنعت قاربا وعلى جنب من جنباته كتبت نفس كلماتي التي لم أ جد لدفئها بديلا :

فرنسا الساحرة

ياأرض الخبز ، الحرية والأضواء : أحبك

خديني إليك .

وضعته وبحذر بالغ فوق الماء و تركته يطفو من جديد ......

وهو يطفو ... ينخفض ... يهتز... يقاوم ...شيء...شيء ماشدني من تلابيب الذاكرة . إلتفت إلى الخلف ...إلى البراريك الغارقة في الهم والبؤس ، محولا نظري الى الدواخل ....

ورأيــــــــــــــــــــــــت :

سيارة بوشتى في أسفل الزقاق، حولها يحوم الأطفال والبعض من الفضوليين . بقعة وبإتفاق الجماعة خصصناها لرمي الأزبال تفصلنا عن براكته . وليس غريبا أن تشاركنا الفئران الحياة تحت نفس السقف ، الى درجة مرور فأر أمامنا وفجأة لايثير فينا أدنى شعور بالإستغراب أوالفزع ...ننظر إليه بمطلق الهدوء . وكأننا خلقنا معه علاقة ود وألفة ، نظرا لمعاشرتنا الطويلة لسلالته . حتى قطط الحي الضالة إكتفت بالنظر إليها ومن بعيد بعين عدم الإهتمام واللامبالاة . و...وكأنها تنكرت لفطرتها وخلقت وأخيرا حالة سلم معـــــه لالشيء فقط لأنها لم تعد تستسيغ لحمه لكثرة إستغلال طعمه ، بل أحيانا تترك له المكان ليجول ويصول بكامل حريته .

شيء مدهش حقا ...دفعت سي إبراهيم مؤذن الحي الى القول في خطبة جمعة ، حول صداقة قطط حينا وفئرانه : وربي الكعبة إنها علامة من علامات الساعة .

لهذا السبب عندما أعتقلت في صيف 1981 ...وأنا في زنزانتي إتخدت من الفئران عائلتي الجديدة . مع دفء حضورها ، أراوغ الأيام الباردة الثقيلة المملة . نعم...نعم وضعت لكل فأر إسمه الخاص .

قال رفيق زنزانتي :

ـ ألا تخاف الفئران ؟

قلت وأنا ألقي فتات الخبز الى فأر لايظهر من جسده إلا رأسه الصغير ، يقترب من الفتات كلما إطمئن على آمان الموضع . يحمل ما يكفيه بفمه ويعود الى جحر في أسفل الجدار :

ـ ماملكت في طفولتي لعبة . وحدها الفئران لعبتي .

............................

تحت....

تحت التعذيب الوحشي الجسدي والنفسي، الزعاق الحاد ، الشتم النابي والتهديد القاس ، جز جذور شجرة عائلتي . إعتقال الأحياء منهم والأموات ولينعموا بخيرات وبركة التعذيب ...فنون أثقنوها بإمتياز ويتفاخرون بها في جلساتهم الحميمية مع كل إكتشاف جديد ....ومادة الإبداع وفضائه الجسد .

نعم !!1

مع الضرب المتواصل وقعت على خربشات سوداء تلوح من كومة أوراق ، موضوعة فوق طاولة الكوميسير أو الجحيم ...خربشات سوداء تتمايل ...تنط في الهواء...لم ...لم تستطع عيني المملوءة با لدمع والدم التمييز بين النقطة والفاصلة ، الحرف واللكمة ، الله والشيطان .

قال الكوميسير بصوت حاد وهو يشير الى مدونتي :

ـ هل هذه صورتك ؟ هل هذا رقمك ؟

وقبل أن ..................

قاطعني وهو يعرك عقب سيجارته بشدة في رأسي الحليق :

ـ إذن وقع لطبون أمك .

ناولني قلما ، أخدته بيد مرتعشة ، شد إحكام أصابعي وإرتفع صوته بالزعاق :

ـ ماذا بك ؟ أتريد أن أدخل القلم في في ثقب خرزتك ( إستك) ....وقع هنا ياولد ألف أب وأم واحدة ، وقع...

ريحتك خانزة مابقات لك غير الثورة ....وقع .

........

..بعد التوقيع والوقع وأنا ممدد على بلاط زنزانتي الحافي البارد وقد أغشى الدم والدمع عيني ، تسألت في نفسي : ماذا تعني ثورة ؟ صحيح لأول مرة في حياتي أسمع هذه الكلمة والتي قيل لي وسخرية فيما بعد من أجلها أنا هنا . هل هي غالية الى هذا الحد ؟ لتكن ماتكون همي الوحيد الخروج الى الشمس .

......

أي حقد .

أي حقد أعمى ركب عقل معذبي ؟

هو على يقين من براءتي ...فيما بعد تأكدت من تلك الحقيقة الجارحة . سي الحاج كان مهووسا بحب الأطفال.

هذا الحب في الثلث الأخير من الليل الى إغتصاب .

نعم !!!!

في حينها لم أتجاوزالعاشرة من عمري....بعد . غير أن أطفال أحياء الجوع والعطش ، يتصلب عظمهم وتلوح نسائم الرجولة في محياهم باكرا . لهذا السبب حشرت في معتقل الكبار .

الوحش القذر حولني الى أنثاه .

فعـ....

فعــــل الإغتصاب تجرعه كل نزيل في سني . ويغير أنثاه كل ليلة تماما كتغييره لقميصه الملوث بالدم مع مطلع كل نهار. وأي نهار يانهار؟؟؟؟ لاأحد .

لاأحد منا تمكن من جز إير إبن العاهرة .

الملعون يعرف شغله جيدا وكأنه ورثه أبا عن جد . فهوقبل أن يباشرلذته . يتمكن من ربط القيد وبإحكام وعلى أفواهنا يضع لصاقا ويتحول صراخنا الى متاهات أنين .

لاأقوى ...لا أقوى على النظر في عين سي الحاج . مع نظرة خاطفة وكسيرة ، أشعر بأن الأرض تمشي وتجئ تحت أقدامي ...أشعر بإنهيار مطلق لشخصيتي ...شخصية ؟؟؟ يدمرني ...

يدمرني ذلك الإنفعال الداخلي الى حد الضياع والتلاشي وهو يعيد مشهد ليالي الإغتصاب آهات شبق لذته الممزوجة ببكائي الذي لايرفع صوته .

يدمرني....

ويجبرني على طأطأت رأسي ودفن عيوني كحبة قمح تحت بلاط السجن البارد ، وأحيانا تخترق نظراتي سقفه وفوق أقرب غيمة تائهة ، تجلس منتظرة بدمع دعاء مخلص مكتوم : يد إلاه رحيم .

يدمرني....

يدمرني هذا الإنفعال الداخلي ويلقي بي الى هاويات الخجل والشعور بقزمية وجودي....إلى أقصى ...إلى أقصى مستويات الضعف و الإقصاء التام من عالم الرجال .

إلاهي...

لبست ثوب الرجا و الناس قد رقدوا

و بت أشكو الى مولاي ما أجد

و قلت يا أملى فى كل نائبة

و من عليه لكشف الضر أعتمد

أشكو اليك أمورا أنت تعلمها

مالى على حملها صبر و لا جلد

و قد مددت يدى بالذل مبتهلا

اليك يا خير من مدت اليه يد

فلا تردنها يا رب خائبة

فبحر جودك يروى كل من يرد

********

وواصـــــــــــــــــل....

وواصل إغتصابي .....

ربما لهذا السبب لم يكن لي حظ مع النساء . إذ كلما سنحت لي الفرصة لممارسة الحب مع من يهواها قلبي ، كلما حضرت صورته....وبحضورها أتخلى عن مواصلة البحث عن لذتي ...مع اللقاء الأول والثاني و....

يغيب نجم من أهوى .

قالت لي : الأرض تحتاج الى حرث والحرث يحتاج الى ماء . هل تفهمني ؟ مكتنا طوال الليل في عراء مطلق على السرير نحدق في السقف .ورددت في نفسي :

ثبا أعداء الحياة حرموني لذة وبهجة الوجود ....

في الصباح ، قبلتني وهمست في أذني :

ـ آسفة أنت رجل طيب ، لكن نحن النساء ...( صمتت ) وأغلقت الباب ورائها الى الأبد .

وربما لسبب نفسه إتخدت من المخدرات حبي البديل .

وحدهن العابرات في حياتي وفي أمكنة غريبة مع سكر مطلق أحقق لذتي ومع القدف أشعر بالتقزز والغثيان وأغادر المكان بخطوات هيستيرية وكأن ظله يلاحقني . هل لأن العابرات العاهرات و المجنونات نشأة يطابق جرحهم جرحي . أكيد ما يوحدنا هو الشعور بالإقصاء والإندحار والقهر .

وحدها...وحدها الإسبانية اليهودية جوديث جادت وهامت بها نفسي ، ونزلت على عقدي الكثيرة والغريبة بردا وسلاما .

أين أنت الأن جوديث ؟

جوديث عزيزتي :

حياتي في قبضة الجرثومة اللعينة التي تحتل دمي : السيدا .

................................

بين الضرب والضرب والإغتصاب .

الجوع .

الرعب في أقصى حالاته .

وأنا البريء من شغب ثورتي...

وبدون....

إلا إذا إعتبرنا ماحدث في تلك الليلة : جنايـــــــــــــــــــــــــة أتخطى ( صمت ) أتخطى الأربعين ولحد الأن( صمت ) لا...لازلت أد...أدفع الثمن .

شغـ....شغب تلك الليلة .

أمي...أمي وبعد إنتظار طويل وقاس ، وإحساس الأم لايخطئ أبدا . تنبئت أن حالة الشارع لاتطمئن بخير، كلفتني بالبحث عن أخي المهدي الذي تخلف عن المنزل .

الدار البيضـــــــاء ؟

كانت .....كانت في حالة حصار شديد ، بعد نهار عاصف . وقعه أولاد الأحياء الغارقة في وحل القاذورات .

السلسيونيون، المتشردون ،الكحليون ، اللصوص الصغار، المجانين نشأة ، العاطلون على الدوام ال........

وال.......

نهارغاضب وعابر وقعوه بغضب وعنف...وكأنهم كانوا ينتظرون هذه الفجوة . هم وحدهم نزلوا الى الشارع وحولوه الى جحيم من النهب والخراب والدخان .

نعم !!!!!

كانوا ينتظرون ومنذ زمن بعيد هذه الفجوة ...وربما جهة ما ذكية وحادقة لها...لها يد في هذا الجنون الذي ركب عقول هؤلاء البؤساء ، لايعلم أسرارها إلا خالق البشر والحيوان . كانت وراء غيمة غضب صيف عابر .

سيارات يجبرون سائقوها ومع التهديد بالسلاح الأبيض والحجارة ، على مغادرتها يفرغونها من البنزين .

وبنفس البنزين يحرقونها ، سيارات عادية وقديمة الإستعمال . كما يقولون سخرية تعود الى أيام نوح . وعلى مرأى من مالكها المواطن البسيط . ومع أدنى إحتجاج يتعرض الى الضرب المبرح . وقد يخترق خنجر من يدغادرة صدره ...وهنا كان .

دكاكين ملابس ، مواد غدائية في نفس الحي الفقير ، يعرفون أصحابها بل قد يكون من الذين يقاسموننا السكن تنهب وتحرق . شيء غريب حقا . تخريب وتدمير ....مدارس ، مستشفيات ، حافلات ، أعمدة كهرباء، حتى الحقد مسح الحدائق العمومية الفقيرة من النبتات والورود إلا كراسي مهترئة أحرقت ......

ومع...

مع أول رصاصة أطلقت في الهواء ، ومع سقوط أول ضحية . بعد أن تأكدوا أن البنادق محشوة بالرصاص، وليس كما إعتقدوا وهم في قمة نشوة هيستيريا الخراب ، يواجهون العسكر بالحجارة والصراخ( حبات حمص أو عدس ) ...

دخل الغاضبون إلى قبورهم وأقفلوا أبوابها بإحكام .وجلسوا ينتظرون الصباح ، هم يعرفون جيدا أن عيون المخزن لا تنام ، تمهل ولاتهمل ، هم يعرفون أن السفر الى جحيم تحت الأرض قريب زمنه .

عشرات..

عشرات الضحايا تعثروا وسقطوا ...

ومن لم يمت برصاصة ، مات بالركل والرفس . وبدئت حملة الإعتقالات العشوائية العمياء...الى درجة أن المخافر امتلئت الى درجة أن فاضت بالبشر.

فكروا....وحولوا الملاعب الرياضية وقاعات السنيما الى معتقلات ....

هل ؟؟؟

هل العنف كهذا يمكن أن يكون وسيلة الى تغيير ؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وأنا أتجول بين الجثت ، كان أخي المهدي ممددا على الأرض . إقتربت منه بحذر شديد ورعب يثقل خطوي .

لا....لازال أزيز الرصاص يدوي هنا وهناك .

يده.....

آه إلاهي !!!!!

يده اليسرى وضعها جهة ثقب في رأسه ووسادته جلطة دم .

في.....

في حين اليمنى وبإحكام تقبض مسدسا من خشب صنعه بنفسه .

حملت أخي الصغير عائدا والدمع يملأ حلقي الى محطتنا . وأنا في طريقي أو قفني صوت أشباح وقال رئيسهم :

ـ إيه أنت... ضع تلك القذارة على الأرض وارفع يداك في الهواء . وتعال إلى هنا .

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

لحد الأن ....وربما الى الأبد...الى قيام القيامة....لن نعرف له قبرا .

المهدي أخي البطل الذي حارب الأشباح بمسدس من خشب لاقبر له .ومن لاقبر له لاوطن له .

.............أين.....أين كان الله عندما أعدموه؟..

********

سيارة بوشتى في أسفل الزقاق .............

نعم !

قبل وصول بوشتى بأيام ، الجميع يعلم حتى عطار الحي سي العربي العين الخفية للمخزن ، مع العلم يدعي أنه من الوطنيين الأحرار الذين قاوموا المحتل . ، صاحب الدكان المتنقل على ظهر حمار. يعرف أن بوشتى قادم من فرنسا . أمه رابحة تهيء كل شيء . تطلي واجهة البراكة بالجيروفوق الباب تتبث العلم المغربي الذي تآكل ثوبه وفقد لونه الأصلي بفعل الرياح والمطر ....

وهو يقترب من براكته والناس نيام ، يضغط على كلكسون سيارته بشكل مزعج وقوي ومتقاطع ، وعلى صوته الحاد ومع زغاريد النساء المقربات لأمه رابحة ....هذا أكيد يطمعن في حفنة شاي صيني أو حفنة قهوة برازيلية....أشياء لها علاقة طبعا بالبطن . يستيقظ الجميع حتى الكلاب الضالة والقطط تشاركنا حفلة النظر الى ما أحضره بوشتى من بلاد الثلج .

حقائب ..

حقائب ملفعة بالأسرار . جبال نفايات تتوج سطح السيارة ، ثلاجة ، تلفزيون ،دراجة هوائية ، صناديق...و...

أشياء أخرى تتناقض مع بدلته الأنيقة . أكيد هذه الأشياء وكما يؤكد بعض الوشاة إلتقطها من مزابل النصارى و بإمكان الإنسان المهاجر أن يعيش في أوروبا فقط من مزابلها .

نعم هي قاذورات بالنسبة لأهل الثلج . بالنسبة لنا الكنز الذي يشتهيه الجميع . القط عندما لا يصل الى اللحم القديد المنشور على الحبل وهو يحوم...ويحوم زاحفا بجوعه على بطنه . يموء...ويموء ولكي لا ينفجر غضبا يقول في نفسه إنه متعفن . بل البعض منهم يتمنى لو كان كلبا يأكل وينام في مزابل النصارى .

أكيد هذه النفايات سيبيعها بوشتى لسكان الطوب . وبالرغم وهذا أكيد أن أغلبها معطوبة الروح ، قدور سيكليس بإمكانه إصلاحها ، إنه جن كما يقول أبي وبأجر هزيل أو قارورة ويسكي المقابل . بوشتى لايبخل من هذه الجهة على نفسه...سيسكر الجميع على حسابه وأبي أيضا حيت توجد الشياطين يكون الأول من يقدم تحية الجلوس . يجلس وبلهفة حرقة جنون عطشان ينظر الى حركة اليد وهي تملأ الكأس بمحمول الزجاجة التي يزداد لمعان بريقها في منتصف الليل ، حضورها البهي يجدد الروح المتعبة ويسمو بها الى معارج طاووس حكي والكل يلمس بأناه سموات وهم بطولة لايكذبها إلا أشعة شمس الصباح الأولى. يجلس.... يجلس أبي وينتظر دورة المعشوق : الكأس .

....................

يضحك سي بوشتى وهو ينظر الى سطحية سيارته ، وهو يضحك لاح سن معدني في فمه وجد مكانه بين أسنانه الأمامية . يثير الإنتباه ويضفي على الرجل هبة معينة :

ـ بزنيس...الكل بزنيس .

و....

وبعد أن يستريح من أتعاب الطريق الشاق والطويل ، ودهابه الى حمام أحياء الطوب ، و لتنعم عظامه بدفئه وبعد أكل الكسكس ، يخرج من براكته يسابقه بطنه وتأخده خطواته الى مسجد النور : هكذا إسمه .

وبعد صلاة العشاء تطفء شموعه ، تغلق أبوابه القصديرية . وتجلس الجماعة بجواره على حصير أعدته زوجة سي إبراهيم المؤذن ، مع صينية كاملة القوام . يتكلف سي إبراهيم بالإشراف على إفراغ الشاي في الكؤوس . وعيون الجماعة بلهفة وعطش تتابع يد بوشتى مع دخولها الى جيبه وخروجها .

هم إجتمعوا هذه الليلة حوله طمعا في تدخين سيجارة رومية أو الفوز بشقف من الكيف أو....

ويحلو السمر !!!!!

يناول بوشتى مفتاح السيارة الى أبله الحي ديبا وبصوت آمر :

ـ هاك... افتح الكوفر أو جيب أسي ديبا واحد العتروس رومي تنشرح الوجوه ...بالفعل لامعنى لحياة هذا الحي بدون العتروس كما قال مرة أبي في حقه وأضاف :

ـ ليست النار هي أول إكتشاف للإنسان . الخمرة هي أولى إكتشفاته وحدها الملعونة ، زرعت في نفسه ذلك التحدي العنيد لمقاومة وحوش الغابة الضارية . وبها صنع طريقه ....

بالفعل...

لا معنى للحديث مع بوشتى بدون الكأس . مع ذبيبه في العروق ، تتفتح شهية النفس على إستقبال كل ماهب ودب من كلام . حتى الشتم النابي يتحول أحيانا الى قنبلة قهقهات. معه يتغيرالجو ويلطفه تلك المسحة من الدفء والألفة ، ينكسر جدار الكلفة بين القلوب ويطيب الحديث ويزهو.

مع الكأس الأول والثاني والزجاجة الرابعة والخامسة.و.... يتحول الضعيف المعدم مثل أبي الى بطل .

كيف ؟؟؟؟

كيف يمكن أن يجتمع الشيطان والله في جسد واحد ؟ هذا مالاح في نظرات سي إبراهيم وهو ينظر الى بوشتى الغارق في جلبابه الفاسي الأبيض والذي يوحي بالعبد المؤمن الوقور .

وفي نفسه يقول :

ـ لقد غير خبز وماء فرنسا الرجل ، دهب اليها مسلما وعاد منها سكيرا .

صحيح !!!! من عاشر أمة رجالها ينكحون البهيمة صار واحدا منهم ، إلا من رحم ربي .

وهويغادر مكانه بعد أن قدم للجماعة تحية الوداع ويتسلم نصيبه من الشاي الصيني وقهوة برازيل وحفنة من دراهم عرق جبين سي بوشتى ، يردد لازمته المعروف بها ،كلما وجد نفسه أمام فعل مكروه :

جعلنا الله وإياكم من الطائعين وجنبنا أفعال الفاسقين يا قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول : لايدخل الجنة مدمن خمر ولامؤمن بسحر ولاقاطع رحم ومن مات وهو يشرب الخمرة سقاه الله من نهر الغوطة . وهو ماء يجري من فرج المومسات ............

أبي سيشرب من هذا الماء المتدفق من فرج المومسات الى حد الثمالة وسيطلب المزيد والمزيد....

عندما....عندما تخلو عروقه من دم العتروس ، يتحول الى وحش لايطاق . يصاب بالغثيان والهلوسة ويكسر كل ما تقع عليه عيناه ، مع زعيق ...أهات وأنين .

وليس ...

وليس غريبا أن حياته إنتهت بشارب كحول حريق سيك وبه دخل في الأخيرالى ليل الجنون البارد .