اَلْوَاحِدَةُ فِي عَرَاءِ ذِكْرَيَاتِهَا وقصائد أخرى
شعر
السمّاح عبد الله
اَلْوَاحِدَةُ فِي عَرَاءِ ذِكْرَيَاتِهَا
إذا رأيتِ رجلا يهبط من عليائه
كأنما يهبط من فوق الجبلْ
مُغَبَّرا
وضيِّقَ الخُطَا
وصامتا طول الطريقِ
فاخلعي قميصَكِ الشفيفَ
وانزلي البحرَ
اضربيه بيديك الاثنتين
كالفراشةِ التي يجذبها الضوءُ
اسبحي للشاطيءِ الآخرِ
وابتني من الرمل ثلاثاءً
وموعدا
ورغفانا
ودارا
وانتظارا
لأنه من قبل أن يلمسَ ناهديكِ في عريهما المبلول
من قبل أن يرشّ عطرَه المُرَّ
ويطلق العصافيرَ على نجوم شعرك الطويل
سيسند اغترابه الكبيرَ للصخرة
ويمد رجليه على امتدادِ هذه الثلاثاءاتِ
كي تحكي له
الحكايات القديمة .
عَمَّ يَتَسَاءَلُونْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خذ مطرا
وتمرةً
ودارةً
وبعضَ صلصالٍ
وحفنةً من الموسيقا
وإنْ سُئِلتَ قُلْ :
أُهَيِّءُ المكان للرسولة .
اَلْحَنِينُ الْمُنْدَاحْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من هذه الجميلةُ التي تحمل كل ليلة سلال الورد
وتدور في الباراتِ والمقاهي
وعلى سلالم المراقص التي يعبّق الدخانُ سقفها العالي
تظنُّ أن رجلا ما
يظل طيلةَ النهارِ بانتظارها
يصيدُ سمكا مُرًّا
من الذواكرِ التي تفتتت
ويكتري بقطعةِ الحنينِ لحظتين
سوف تأتيان في سحائب الدخان
ويؤجّرُ الأشجارَ للعشاقْ ؟ .
اَلرَّجُلُ فِي الْقِطَارْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرّةً في صِباهُ البعيدِ
عاين النسوةَ المستحمَّاتِ في البحرِ
شاهد أثداءهنَّ الطريَّةَ مزدانةً ببريق المياهِ
وبالزعفرانْ
وهو يرحل من بلدٍ لبلد
ألقطارُ يمرّ سريعا
ويعبرُهنَّ
ولا يستطيعُ يُكَــمِّلُ ما التقطتْ مقلتاه
كبر العمرُ
أوداجُه انتحبتْ بالمشيبِ
ولكنه ظل ملتصقا بالقطارْ
ألنساءُ امتنعنَ عن البحرِ
لم يكُ إلا الغبارْ
وهو يحرصُ أن يتخيَّرَ كرسيَّهُ الداخلِيّْ
ويظلّ يعاينُ
من خلل النافذة .
جَوْعَةُ الْمَرْأَةِ النَّحِيلَةْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسومُها الخرابُ عندما ينتصف الليلُ
ويعبر الشّجْوُ على سقف البراحْ
وحيدةً إلا من الأسى
جائعةً إلا من الذكرى
خفيفةً إلا من الجراحْ
خائفةً
يحوطها العذابُ من مدارها الشرقيّ والغربيّْ
لأنها من بين أوجهي العديدةِ
انتقتْ وجهي النبيّْ .
مُسَامَرَاتُ الْكَائِنِ الْوَحِيدْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرّ الكائنُ
لا أحدٌ يعرفه في هذا الليلِ العالي
لا أغوته الغانيةُ
ولا استوقفه الشحّاذُ
ولم يحْنُ الشجرُ المبلولُ كعادته في هذا الوقتِ عليه
ولم يتبعْه الطيرُ الطيّارُ
الكائنُ
لفّ على عقبيه
وعاد
وضع يديه بجيبيهِ
منتشيًا
وكأنْ قابل من يعرفه
واشتبكا في قصصٍ عن إمرأةٍ خائنةٍ
أو عن بحرٍ سرَّاقٍ
وكأنْ أغوتْه الغانية
وحدّثها عن دَرَجٍ خشبيٍّ
يهتزُّ إذا استشعر أقداما أربعةً
تتوجسُ لما تصعدُ في خافيةِ الوقتِ
وتتشابك لما تتمدّد في خائنةِ الليلِ
كأنْ أعطى للشحّاذِ نقودا
وحنا الشجرُ الملولُ عليهِ
وتتبَّعه الطيرُ الطيّارُ .
فِي حَضْرَةِ مَحْبُوبِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قريبٌ منك يا ليلى
ولا يفصلنا ساترْ
كقرب الخيمة المغروسة الأوتاد في الصحراء
للقمرِ
وقرب الماء
يعكسه سرابُ البيدِ للصادي
ومشدودٌ إليكِ طوال ليلٍ
ليس يرتحلُ
وليس لطوله آخرْ
كأنّ نجومه مربوطةٌ
في وتدِ الخيمة .
اَلْقَصدْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وخرجنا معا في اتجاه القرى
وتركنا الجبلْ
كلما مرّ يومٌ نقول :
القرى
ستبين غدا
ويبين على مدد الشّوْفِ سربُ طيورِ الحقولْ
والرمالُ تطولْ
وتقابلنا في الطريقِ عظامُ الرجالِ القديمة
وبقايا الجِمال التي بركتْ
وهواء النساء اللواتي عبرنَ على طللِ الوقت
ذات ضحى
والمواعيدُ مقتولةً
والهجيرُ الطويلْ
ذاب منا رجالٌ كثيرونَ
في وهجِ الشمسِ
خارتْ قوانا
وقد نفد الماءُ والتمرُ
حتى انتبهنا إلى أننا نتقدمُ
ناحيةَ الجبلِ .
حَوَافُّ الْحُرْقَةْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يذهب الجندُ إلى الجبهةِ في الحربِ
وتبقى في فضا هذي الجداراتِ النساءْ
يتمشَّينَ على حاشيةِ الأسواقِ
خفيفاتٍ
ويتركن المشدّاتِ على طاولة البهوِ
يراقبن الرجال الغرباء
يحتسين القهوة المُرَّةَ في الصبحِ
وفي الليلِ الطويل
يرتشفن الخمر سِرًّا
ويعاتبن الرجالَ الغائبين
ويرقصن فرادى
يشترين الوجدَ من بيّاعه
والفرحَ المنقوصَ من بيّاعه
وينمنَ في منتصفِ السّكَّةِ
بين البوْحِ والذكرى
وبين الجرحِ والشكوى
فإنْ جاء ملاك الحلمِ في حُلّته الخضراء
يتمشى
في حشيش الشجر المبلولِ
قدمن له خبزا
وماء .
بِدَايَاتُ الْقَرنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس معي إلا القوافي
هذه حائطةٌ مسدودةٌ
خبَّط فوق كِتفِي الصباحُ
قال لي :
من أين أدلفُ ؟
قلتُ :
عُد معي من حيث جئنا
إننا
أنا وأنتَ غدُنا مُقَتَّلٌ
وهذه الحائطةُ التي تنهضُ في وجوهنا
تنقلنا
إلى الفيافي .
===========
السمّاح عبد الله
===========