ديوان طائر

 

بعيدا عن رماد الأندلس

 

 

يوسف رزوقة | تونس

 

إليهّا.. نهرا في وردة.

 

أندلس أخرى

الأندلس امرأة

لم يبق لنا منها

إلاّ ذكرى

هي هذا الجرح النّازف في الأعماق

تعمّقه امرأة

هي أندلس

في ترجمة أخرى

 

الأندلس امرأة

لا ينقصها إلا قمر

هو هذا الطفل القادم من منفاه

بغير خطى الأجداد

وفي عينيه

بريق العاشق

تدعوه امرأة

هي أندلس

بالمعنى الأخضر للكلمه

 

الأندلس امرأة

لن أتركها

لتضيع كما فعل الأجداد

ولن أسعى

لأشبّهها

بالأندلس الأخرى

فهي امرأة

بالمعنى الأزرق للكلمه

 

فإذا ضاعت

فلأنّ لها

أسبابا أخرى أكبر من عشقي

ولأنّ لها

 ما يجعلها امرأة أخرى

بالمعنى الآخر للكلمه

 

من أقصى جهة في القلب

 

قبل الخمسين بأنملتين

رآها الطّفل

فعاد إليها

 من أقصى جهة في القلب

أقام لها الأعراس

 وزيّن هودجها

حتّى "المتوسّط"

لم يهدأ إلاّّ ليفيض

على مرمى قمر من عينيها

 

قبل الخمسين بسنبلتين
رآها
تزرع ضحكتها الممتدّة من مدريد

 إلى فلورنسا

وتترجم حمّى العالم

~ وهي هناك ~

إلى لغة لا يفهمها

 إلاّ الشعراء

أو امرأة من طينة روزا..

روزا تلك | عروس البحر

وضحكتها الممتدّة من مدريد

 إلى فلورنسا

موسيقى اللّه

وقد غزت المتوسّط

حتّى فاض

على مرمى قمر من عينيها

 

قبل الخمسين بقنبلتين

يعود الطّفل إلى بغداد |

 إلى الذّكرى

وهناك

يراها

بين البصرة والنجف، امراة..

تضع التّاريخ أمام مراياها

وتغنّي للآتي

 

أمّا الطّفل المشدود

 إلى ذكراه

فكان يلاحقها

 عن بعد

بالنّظرات

ويحلم بامرأة

 من طينة روزا

روزا تلك ~ وقد عادت ~

لتعود إلى الأشياء

 معانيها

وإلى العصفور العاشق

 موسيقاه.

 

ثمّة ما يدعو إلى البهجة

 

صوتك القادم

 روزا

من وراء البحر

 صوتي

عنك ما غبت

 وإن غبت طويلا

فأنا من حيث لا أدري

 تواريت عن النّاس جميعا

وأنا طيلة موتي

لم ألاق امرأة مثلك روزا

ولذا عدت من المنفى إليك

فاحتويني

وردة بين يديك

 

ليس بي شوق

 إلى أندلس الأمس

| فلا أحترم الأجداد إن كانوا غزاة

بل لك، الآن هنا،

يعتذر الشاعر عما فعل الأجداد

 في أندلس الأمس

 وقد ماتوا جميعا

ليعودوا

 بين حين وحنين

 من خلال الزّفرات |

 

ليس بي شوق

 إلى أندلس

 كانت وصارت..

إنّما شوقي إليك

وإلى وجه

 له إطلالة الفجر

ولون الحلم

إذ يصهل بين الكلمات

 

صوتك القادم

 روزا

من وراء البحر

 صوتي

لك أن تبتهجي..

ثمّة ما يدعو

 إلى البهجة روزا

أن تري في الضّفّة الأخرى من البحر

يدا تمتدّ نحو القمر الطّالع منك

لك أن تبتهجي..

ثمّة ما يدعو إلى البهجة

 روزا

أن تظلّي طفلة

ترسم ما يدعو إلى البهجة حقّا

وتغنّي للحياة.

 

نافذة أولى

 

بمجرّد أن حطّت

طار العصفور الأوّل من كفّي

والثّالث

وانتشرا في الكون

بأجنحة جذلى

فإذا الكون

ربيع يصنعه من ثمّة، عصفوران

بأروع زقزقة في الكون.

 

أمّا الثّاني

فقد استولى للتّوّ على جرحي

وأنشأ ينقره

ويشير إلى امرأة

حطّت للتّوّ

على الغصن المتأرجح

من قلبي.

 

لغة أخرى

 

الآن

ونحن معا في الجنّة

لن نحتاج إلى لغة

لنترجم حمّى العالم في جسدين

على "المتوسّط" فاضا..

حتّى لم يعد "المتوسّط" بينهما

إلاّ امرأة تدعو رجلا في خاتمة التّطواف

إلى تجميع العالم في يدها

بدءا من عينيها.

 

لم تكن مغلقة،هذا المساء

 

مغلق  جوّالها، هذا  المساء

وأنا في  مثل  هذا  البرد ، لا  أشعر  إلا بيديها

 من وراء البحر تمتدان نحوي..

عائد في مثل هذا البرد

 في منتصف الليل

إلى قمة صحوي

لأراها في انتظاري

تفتح الباب

وتدعوني إلى حمّى الفلامنكو

بأعلى لهب في قدميها

تفتح القلب لآلاف العصافير ولي

وهي تقول اللون في الكون

 بأحلى شفق في شفتيها

عائد مني، إليها

وأنا  في  مثل  هذا  البرد

لا أشعر إلا بيديها

من وراء البحر تمتدان نحوي

لم تكن مغلقة، هذا المساء..

 ( كل ما في الأمر: لن  أفشي  سرّا :

 أنها غابت عن العالم حينا لترى اللحظة في فيلم جديد ).

 ما الذي أفعله الآن ؟

أناديها بأعلى شهقة في الحلق: يا روزا

وأدعوها إلى الرقص

بأعلى لهب في القدمين.

 

قبل بيكاسو ، قبل نيرودا : هي في القلب

 

إسبانيا في قلب بيكاسو

وأنت مدينة...

هي لون هذا الكون

قبل مجيء بيكاسو إلى هذا الوجود

 و بعده.

 

إسبانيا في قلب نيرودا

وأنت قصيدة

هي أصل هذا اللون ...

قبل مجٍِيء نيرودا إلى هذا الوجود

 و بعده.

 

لو كان بيكاسو و نيرودا على قيد الحياة

 لحلّ بي

وأنا اراك قصيدة أو لوحة

قلق الجبال

 ولارتميت عليك

 من أعلى القصيدة

كي أزيحك عنهما

 وهما إليك

يجرجرانك نحو دائرة الحريق.

 

منذور ليديك

 

بيني

وأنا أدعوك إلى البستان

و بين الثور الإسبانيّ الهائج ..

أكثر من شبه :

هو منذور ليد حمراء

 بلا قمر

و أنا ليديك الخضراوين ..

و ما هذا " المتوسط "

إلا وجهي الأسمر

بين يديك الخضراوين..

 

ما أغفله القاموس

 

!أنت امرأة

 ! وأنا رجل

هذا ما أطلقه القاموس

على امرأة وهي امرأة

وعلى رجل يدعى رجلا ...

لكن ما أغفله القاموس هنا

هو أنك أكبر من كل الكلمات

وأني منك ...

أجيء

و بي من هرمونك يا امرأة ..

ما يجعلني رجلا ..

و أريدك مثل الكنغر

أغفو في تجويفة بطنك :

طفلا يحلم بامرأة

هي منه ...

بحكم أنوثتها الأعلى

 من كل خشونة ما يبدو

وهي امرأة ..

بأتمّ أنوثة ما يعدو

في قلب الوردة من معنى.

 

نحو حقيقة أصفى

 

... و عدنا

لن تكبّلنا الأنا بحرير نرجسها

لنا أن نترك العصفور يشدو خارج القضبان

و الينبوع في مجراه   

!ولتذهب بنا الكلمات والألوان نحو حقيقة أصفى

نعود

لأجل أن نبقى معا

ولأجل أن نبقى معا

عدنا من .. المنفى .

 

لحبرها الورديّ، طعم الماء في مخيّلة النوارس

 

من ذلك التاريخ ..

ذات صداقة ..

في "مربد" الشعراء، في بغداد ..

و هي تخطّ لي ..

بين الرسالة و الرسالة ..

ما به أبقى على .. قيد الحياة .

لحبرها الورديّ

طعم الماء، أزرق

في مخيّلة النوارس

فوق دجلة و الفرات

و لي كلام لم أقله

تقوله، الآن، القصيدة ..

كم مضى منّي هنا.. فيها

ولا امرأة سوى روزا

 تقود خطاي من قلقي

 و تهديني إلى بيت القصيد؟

 

هناك

 

في نهج شارل ديغول

ب "دار الكاتب" ..

استرخى ثلاثتنا، مساء الأربعاء، هناك..

كنت

وكان شمس الدين

جنب محمد الهادي الجزيري

نكسر الأقفال و الأغلال

نحو مجاهل الحريّة ..

استولى ثلاثتنا على الأفق البعيد

.. و كانت امرأة

تدير حديثنا، من بيتها

في قلب فلورنسا

 و ترسل صوتها

شمّاعة لقصائد الشعراء :

كم كنّا يتامى ..

لا أنيس لنا سوى الكلمات

وامرأة هناك ...

 

نبض المكان

 

في الفندق

حيث ستنزل روزا، بعد ثلاثة أيام
 تهمي في البهو

نجوم من فئة الأقمار المؤتلقه

 اللوحة، تلك اللوحة ..

ذات اللون الصارخ

تبدو اليوم، مشوشة، قلقه

في المدخل ..

تصطفّ الأشجار، مع الأزهار، مع الأطيار

لتعزف سمفونية بتهوفن في موعدها

لمّا ستحلّ غدا روزا بالفندق، بعد ثلاثة أيام

ما أطولها روزا

ما أطولها اللحظات

تمر سلحفاتيا، دون خطى روزا

في البهو، إلى جهة في القلب، هناك

على مرمى لا شيء من البصر

في الفندق ..

حيث ستنزل روزا، بعد ثلاثة أيام

في الثالث من ديسمبر 2005

تهمي في البهو

نجوم من فئة الأقمار المؤتلقه

ويضجّ الفندق، كل الفندق

قبل ثلاثة أيام، بالموسيقى.

 

 

على ضفاف ضفيرتيها ...

 

الكون، كل الكون، محض قصيدة

و قصيدة "المتوسط" امرأة

 لها شكل البراق

تقودني في الحلم

 من قلمي إلى "مدريد"

حيث تقودني امرأة

 لها شكل البراق

 إلى صباها

و هي طاعنة إلى حد العناد

بحلمها الأعلى من الأيدي التي تمتد كي تفتكّ دميتها .

هناك ...

على ضفاف ضفيرتيها

يسهر" المتوسّط" الطاغي بأزرقه

يمشّط شعرها الليليّ

وهي إليه

أعلى من يديه

تضمّ دميتها إلى مجموع أهراماتها و تنام

يا روزا انهضي

قد نمت ما يكفي، انهضي

أرأيت ؟

حتّى الدمية الخرساء

و هي تلاعب القط المدلل

لم تعد خرساء ...

يا روزا انهضي ..

فأنا وراء الباب، أنتظر انبلاجته

و أنتظر الصباح :

يدا تبعثرني قليلا ...

كي أكون ...

 

من أعلى قمر مشنوق

 

أن تسقط  ...

من أعلى قمر مشنوق , بين يديها

و هي إليك

بعينيها المغرورقتين بكحل الشرق

و أنت إليها

تسقط من أعلى قمر مشنوق , بين يديها

من أعلى قمر مشنوق

تسقط بين يديها

و هي إليك

و بين يديها

 من أعلى قمر مصلوب تسقط بالتّدريج

فذلك لا يعني

 إلا هذيان الشاعر حين يلولبه الإعصار

ليسقط من أعلى قمر مشنوق

بين يديها

وهو إليها

وهي إليه

وبينهما قمر مصلوب يسقط بالتدريج

على امرأة لا تحمل بين يديها

وهي إلى قمر مصلوب يسقط بالتدريج

سوى رجل

لا يحلم كالأجداد بأندلس التاريخ و بالحجر القوطيّ

يعشّقه الشعراء

قصيدة حب في "ولاّدة" أو من شابهها

هو لا..

لن يحلم كالمرضى

بالعودة، "بعد قرون" من حمّى الصحراء

إلى الأطلال

ولا يغريه "زمان الوصل"

بأندلس كانت

 هو تحديدا

لا يحلم إلا بٍٍامرأة تدعى روزا

 في مرحلة ما

من زمن ما ..

في أمكنة شتّى .

 

غرنيكا الكابوس الدموي

 

هذا الصاروخ

و قد أنهى خمسين حياة في بغداد

 تعمّد أن لا يسقط

بين يدين تشابكتا للتّوّ

قبالة دجلة، فوق الجسر

وما انفجر الصاروخ، هناك

 على مرمى آه

من شفتين تشقّقتا لتقولا لا

إلا ليفجّر حذو الجسر، قبالة دجلة

صرخته المكبوتة، في خمسين حياة

كانت تلك

حماقة صاروخ مجنون

ذات خريف في بغداد

و غير بعيد عن خمسين هباء

كانت روزا

تسجن بين الفجر و عينيها

غرنيكا الكابوس الدمويّ

و تبحث في ما يحدث عن يدها

و قد ارتفعت

 لتودّع وهي إلى مدريد

حدائق بابل

وهي معلّقة

 بين المعنى و اللامعنى .

 

حضور


وأراك شاخصة إليّ
وأنت في روما

أمام الشّاشة الزّرقاء
ماذا تكتبين الآن، لي؟

ها أنّني أمضي إليك
وأنت

في الجمهور شاخصة إليّ
أمدّ نحوك | أين أنت؟ | يدي؟
وأنت هناك، في روما
وأنت هنا، أمامي الآن.
أيّكما أصدّق؟
لم أجد

وأنا أعود إلى مكاني

غير طفل دلّني

وأنا أكاد..

على مكانك فيّ
ما أعلاك يا روزا

على شفتيّ،

في عينيّ،

في هذا المكان.

 

طفولة ما ..

 

ويداك على رأسي،

أنسى المنفى ..

لأعود إلى نفسي

طفلا يلهو في الساحة

منتظرا إطلالة وجهك

 من تلك الجهة الملغومة

حيث الشوك

وعين الحارس

حيث النار

ولا  أسطورة

إلا لامرأة

تعلو كالجسم الطائر

فوق رؤوس من شمع

لم تينع بعد ...

 

في قلعة "البارون ديرلنجي"

 

قبل الرحيل

هناك

في مينائها المتوسطيّ

تعامت السفن القديمة عن نوارسها

وذاك لأجل زائرة المكان .

قبالة الميناء

ذات ظهيرة

في قلعة "البارون ديرلنجي"

هوت

و أنا على وشك الصعود إليك، زائرتي

أصابع امرأة

على عصب الكمان

و من هناك

علت

ونحن نغادر التاريخ يا بارونتي

أصداء موسيقى

و أيدي السادة الغرقى

و قد عادوا إلى هذا الزمان ...

 

في "شارع الحرّيّة"

 

أستاذة الأدب الفرنسيّ

 التي تنسى ابتسامتها على الشفتين

وهي تنطّ

 من حرف

 إلى قمر

 إلى السبورة البيضاء

ما أبهى التفاتتها إلى روزا

(و روزا ضيفتي،هذا المساء )

...! أضيف : ما أحلاهما 

وأنا أطيل الصمت بينهما ...

وما أحلى اشتباكهما

! بإسبانية الأدب الحديث

وما أ لذّ حبيبتي

تصغي إلى أستاذتي

وكأنها تلميذة الزمن البعيد

في " شارع الحرية "

 اختبأت يدي في شعرها الليليّ .

! كم كانت يدي، محمومة، هذا المساء

 

 تلك اللحظة

 

في الخضرة

بين العشب الناهض و الصبّار

و تحت أشعة شمس لا تخبو ...

طفل يحبو

نحو امرأة ...

غرزت في الأرض أظافرها

و بكت

في حين استلقى الطفل

 على جمر

 عيناه إلى أعلى

وأنامله القلقه

في العشب الناعم

في "المتوسّط "

ما بين النجمين المؤتلقين

و قد نهضا للتوّ

على إيقاع أنامله القلقه .

 

غياب

 

هي في المساء

تمارس اليوغا

 و تمعن في الغياب

...................

وليس لي

و أنا هناك

أمامها

 ووراءها

إلا الرحيل

إلى أعالي الصمت

حيث سماؤها .

 

 

امرأة تخفي قمرا

 

الثالث من ديسمبر

يوم آخر من عمري

وربيع آخر

 تصنعه امرأة

 جاءت

لتؤجّل و هي على قلق

سفري

 في الثالث من ديسمبر

تحطّ على أرض

هي قلبي النابض :

روزا

تلتفت الأعناق إليها

وهي تحثّ الخطو إليّ

وبسمتها أعلى من كل يد

و ألذّ من الحلوى

لك هذا الورد

دعيه

فلا معنى للورد

 هنا و الآن

وأنت الوردة في نظري

في الثالث من ديسمبر

و هي تطوّقني بيديها

زلزلني حزن ما

في عينيها الوارفتين

فملت عليها أكثر مما يلزم

ما خفي، امرأة ...

تخفي قمرا

في زاوية من عينيها ..

ابتسمي أرجوك 

فنحن الآن

على سطح القمر .

 

 

سنرقص حتما

 

غدا

 بعد عام من الحلم

أو بعد حين

سنرقص تحت المطر

أو فوق المطر

سنرقص

فانتظري

و إلى أن يحين اللقاء

الزمي الصمت

و انتظريني

فلن أتأخر

 لن أتأخر

 لن أتأخر

إلا لأبقى كثيرا

مع امرأة

هي أنت تماما

و قد عدت منك، أخيرا

ألا نرقص الآن ؟

حتما سنفعل، قالت

و حتى يحين اللقاء

انتظرني كثيرا، هناك

فلي موعد معك الآن

قد أتأخر فيك

انتظرني هنا

فأنا منك

عائدة، وإليك

لنرقص إذن

و لنحلّق معا

عاليا و بعيدا

 

 

لم كل هذا الحلم ؟

 

وكان رحيلنا مرّا :

أكان لأجل أن نئد الحقيقة

أم لتهوئة المسافة بين قلبين ؟

لقد كنا معا ..

حتى السويعات الأخيرة

من ربيع العمر

لكنّ الطريق

وما التوى منها 

وزوبعة الذي يأتي ولا يأتي

تآمرتا

على جعل الفراشة

وهي تجهش بالبكاء المرّ

تسأل نفسها :

لم كلّ هذا الحلم ؟

والعصفور

و هو يعود من منفاه

يسأل نفسه :

لم كلّ هذا الظلم ؟

بين فراشة تصبو

إلى لهب يراقص روحها الظمأى

ولا يخبو

و عصفور جريح

كبّلته يد بلا قلب ..

غموض فادح

و جريمة لم ترتكب

(كم كانت امرأة بلا ذنب )

.....

و كنت هناك

في منفاي

عصفورا جريحا

داخل القفص

سنترك كل هذا الآن... 

ما يكفي

لتهوئة المسافة بين قلبين ...

سنترك كل هذا الحلم

 للريح

وننسى أننا كنّا معا

حتى السويعات الأخيرة

من ربيع العمر ...

لكن الطريق

وما التوى منها...

وزوبعة الذي يأتي ولا يأتي ...

تآمرتا

على وأد الذي في القلب.

 

لنا الكلمات

 

.. "!" أحنّ  إليك وتلك هي المشكلة

 لا تخافي

لنا الحلم والكلمات

لنا البسمات التي تعبر البحر والقبلات

لنا كل هذا الحنين

لنبقى معا

ولنبقى معا

كان لا بدّ من مثل هذا الرحيل

لنشقى قليلا

و نكتب شعرا

بحجم الحنين.

 

شمس بأعلى القمّة

 

هل نبكي الآن

و شعرك منسدل كالليل على كتفي ؟

والراعي، أعلى القمة، ينفخ في المزمار

فنشعر بالخرفان

تقاسمنا المنفى

بالغربة

بالغربان تحوم هنا في أوذنة*

في هذا التاريخ الرومانيّ الخرب...

هل نبكي الآن؟

دعي ما بين يديك ليوم آخر

واقتربي

أرأيت القمة ؟ تلك القمة ؟

حيث الراعي ينفخ في المزمار ...

هناك، بأعلى القمة ...

شمس تنتظر امرأة في عينيها رجل

و لتشرق ثانية، جهة الراعي

نغما عذبا أعلى من ليل الغربان

سنرقص عند القمة

حيث الراعي

 ينفخ في المزمار

و ينتظر امرأة لا تأتي

ما أقسى منفاه

و قد صدئت شفتاه

بلا امرأة في القلب

يقول لها

و تقول له

ما يجعلنا نتلفت نحو الله

وننسى الراعي

وهو يراقص وردته قي القمة

تحت الشمس

هل نبكي الآن

و شعرك منسدل كالليل على كتفي ؟... 
________

* موقع أثريّ في تونس.

 

! ولو في الصين 

 

ولو في الصين

أطلبها

أترجمها

إلى كل اللغات بغير قاموس

هي امرأة

تترجم ما بأعماقي

إلى كل اللغات بغير قاموس

و أطلبها

ولو في الصين ..

كامرأة لها كل اللغات

بها تترجم ما بأعماقي

إلى لغة تقول المستحيل

 ولا تقول

فتنحني لغموضها الكلمات والجبل .

 

 مع الوردة / النهر | بعيدا عن رماد الأندلس

 

يحكى أن امرأة تدعى روزا

من أندلس التاريخ، كما قال الأجداد

و / أو من قرية ماكلوهان ...

و من زمن لا عهد لنا بغرابته ...

لا وجه لها روزا

فالتاريخ استولى بالعنف

على كل الأيقونات المنذورة للأبطال الجوف

ولم يترك من ثمة لي ولها

إلا نهرا

وقليلا من مسحوق الفحم

و حلما مجنونا

روزا

و هيرا قليطس ....

ارتميا في النهر ...

أما النهر

فاستولى على روزا  فقط

ومضى يراقصها

على إيقاع ما في القاع

من صمت خرا فيّ

ويدعوها إلى تكرار فعلتها

بغير الهيئة الأولى

غدا ومتى تشاء ...

نكاية في أنبياء العصر: هيرا قليطس الأعمى ومن معه ...

 

رأت في النهر

ما يدعو إلى تكرار فعلتها العظيمة، مرتين

غدا  تعود

مع انبلاج الفجر

عارية تماما

حرة كالريح

" زرقاء اليمامة " بين عينيها

وفي العينين

ما يدعو إلى التفكير في معنى الوجود ...

-هناك ما يدعو

إلى التفكير في طعم النزول أو الصعود

وبين هيرا قليطس الأعمى و من معه قديما أو حديثا

ثمة امرأة

و ثمة شارع

يفضي إلى جهة من التاريخ ...

يجهلها الغراب

وأنبياء العصر :

هيرا قليطس الأعمى ومن معه ...

و ثمة خاتم في النهر ...

روزا وحدها

 امرأة الغموض و نحوه

أدرى به ...

ولذا ستملؤه المكان

بما مضى من عطرها

و بعطرها الطاغي على هذا الزمان ...

و ستملأ الآتي (كذلك) ...

باستحالة أن تموت غدا

ولو غابت قليلا أو كثيرا

ما وراء النهر ...

ذلك أنها ستعود

في مطلع القرن الجديد

وما يليه من القرون

قصيدة أخرى

ولا مفتاح في المنفى

لأجل بلوغها

سوى الإبحار فيها، مرتين ...

 

لأجل هذا

دوّخت روزا الزمان

و أشعلت، بحضورها الطاغي، المكان 

وليس للأعمى و من معه

سوى التلويح لامرأة تشق النهر ..

أو إفراغ ما بنخاعها الشوكيّ

من جيناتها النهرية العظمى ...

وليس لأجل روزا

أو لهيرا قليطس الأعمى و من معه فقط ...

روزا هنا

بل أنها وجدت...

لأجل قصيدة أخرى

لها في القاع ما للنهر

مثل النهر تجري باتجاه غموضها

و تضجّ مثل النهر

حتى لا تراها العين

هيرا قليطس الأعمى ومن معه

فتضبط ، وهي تخفي موعدا

لسباتها

و نهوضها

روزا إذن ...

شكل القصيدة | محتواها اللانهائيّ الجديد

عنيدة

لا تنحني أبدا لهيرا قليطس الأعمى ومن معه

وروزا في البداية مبتغاي

وروزا في النهاية مشتهاي

و إنها المعنى

ولا معنى لها

إلا هنا

بين القصيدة و القصيدة نقطة ...

لا بد منها للقصيدة ...

كي تكون

- أحبّها

(خلدون قال )

لأجلها

هذا المحال

قصيدة  

ولأجلها أيضا

أحبّ التيه

والمنفى

و كل   دوائر النقصان

روزا
أنت لي

( التفت الفتى خلدون

فالتفتت له روزا

ومن فرط التفاتتها ...

اقشعرّ النهر

وهو يلامس الفخذين منها

واليدين .... )

 

روزا

و هي زوجة الطفل الكبير و أمّه

مدي يديك

أنا هناك

أنا هناك

أنا هناك

تعيد روزا صوته المبحوح من فرط النداء

صدى  إليه :

أنا هناك

أنا هناك

أنا هناك

و ترتمي في النهر

تستلقي على سلسولها العاري

و عيناها إلى أعلى غموض في السماء :

أنا هنا خلدون ...

فيك

ألا ترى ؟..

فلم الهروب إلى هناك ؟

لم الهروب إلى هناك ؟

لم الهروب إلى هناك ؟ ...

 

خلدون شرق النهر

يبحث في مرايا النهر

عن روزا

و روزا غربه ...

 

عند المساء

و قبل أن يقع الظّلام على المكان

تصادم الصوتان في مجرى الهواء

هناك ، قلب النهر

وا شتعلا معا

و علا الدخان :

سحابة سرعان ما اتكأت على ذكرى طفولتها

لتجهش بالبكاء ...

..."ولكن زيت الخزافة يمتصّ في صمته ، كل شيء .."

تتمتم روزا

وبين الرياح اللواقح و النهر

شيء من الحلم :

هل تسمحين ؟

! سنرقص تحت المطر

     * *  *

  كل شيء هنا نابض بالحياة

ولا شيء يدعو إلى الموت

في مثل هذا المساء.

   *  *   *

إنها تمطر

خلدون وروزا يرقصان

إنها تمطر

روما أحرقت نيرون

فليذبح إذن نيرون

فنان الحريق الجاهليّ ...

قالها العاشق و استولى على روما

فإذا روما و نيرون معا

و العاشق العبد دخان ...

إنها تمطر

من أندلس الأمس إلى أندلس اليوم

دم

و امرأة حبلى بأجيال من الحمقى

و شيء غامض جدّا له طعم الحنين .

إنها تمطر

في تونس

! كوليرا بحجم الحلم

 مات الواهم التّاسع سان لويس

فوداعا أيّها الزّحف الصليبيّ، وداعا ...

إنها تمطر

لكن زمانا كالذي نحياه

لا يلزمه إلا غد فذّ

و شيء من أرسطو

و كثير من هوى روزا التي ما اغتسلت

إلا لتنأى بالمكان

عن أذى هذا الزمان ...

إنها تمطر

خلدون و روزا يرقصان

وحده الحب

طريق الخالدين .

   *    *    *

لا تدخلي هذا المكان

أو ادخليه

من القصيدة ...

و هي تخرج منه، سكرى، شبه عارية  ...

تغني غير عابئة بقطّاع الطريق .

إذن ...

دعي المكان ...

لك القصيدة فادخليها ..

قبل أن تلج القصيدة حانة أخرى

و تنسى كل شيء، كل شيء، كل شيء....

أنا؟

ستقولني هي .. وهي سكرى، شبه عارية ...

تغني غير عابئة بما يجري هناك ..

هناك خلف النهر ...

لا تدعي القصيدة

تهتك السر العظيم

لوحدها

 روزا

 ارتمي فيها

 بكل أنوثة المعنى

و كوني

وهي تسكر  

حبرها

أو خمرها

أو جمرها ...

كوني القصيدة ...

ما القصيدة ؟

إنها من حيث لا تدرين، أنت ..

و أنت ..

هل تدرين أيضا ما القصيدة ؟

إنها،  من حيث لا أدري

 أنا

وأنا و أنت

قصيدة

من حيث لا تدري القصيدة نفسها....

لا تدخلي هذا المكان

أو ادخليه من القصيدة

وهي هاربة إليك

و أنت ؟

 تنتظرين من أعلى الجبل ؟

لا تدخليه

دعي المكان مدنّسا بدخانه

و بكل لغط العالم السفليّ .

   *     *    *

تلفّت غربا

ففوجئ بامرأة تتلفّت شرقا

إذن... ما العمل ؟

قالها و تحصّن  بالصمت

أعلى الجبل ...

 

عند منتصف الليل إلا قليلا

تراءت له نجمتان

انحنى لهما في القصيدة

و انتشرت يده المنجليّة حدّ السماء

لتحصد سنبلة الضوء في مهدها

و هي تنمو

على قيد أرجوحتين من النجمتين .

ما يميّزها

 أنها امرأة

 من زجاج يتيم

و شاعرة

 من صميم الشمال.

ما يميّزه

 أنه شاعر

 من صميم الجنوب ...

تلفّت غربا

ففوجئ  بامرأة

 تتلفت شرقا

تذكّر للتوّ تاريخه المرّ

وامرأة وهبته المحبة

 أندلس الروح

خاتمها

 و قصائد بورخس .

تذكّر أيضا طفولته

كل شيء :

الهروب إلى البحر من نظرات النساء

الكتابة ليلا

و آخر حلم له

و تذكّر أول خوف له  لحظة الاحتلام ...

 

-ماذا سيحدث ..

لو تمركزنا هناك حبيبتي

 أعلى الجبل ؟...

       *        *         *

سحنا معا

وكسائحين هناك في الصحراء

ما اشتعلا معا

إلا ليحترقا معا

متضاحكين تدافعا

امتطيا معا ظهر الجمل

و معا

كبا

بهما الجمل 

فتدحرجا

متلاحمين

على الرمال

أتواطأ الجمل الشقيّ مع الظهيرة

و هي تنهض فيهما

من حيث لا تدري الجبال

فأسقط الجسدين ملتحمين

في قيظ الظهيرة

و انتحى هو جانبا ...

يتلمظ الماضي

وخرشفه القديم

و ناقة تركته للأحزان

ذات ظهيرة ؟

 ****

! يا سائس الجمل ابتعد 

دع للنوارس متعة التحليق فوق النهر

دع للعاشقين

هوامش الإبحار

نحو قصيدة لم يرتكبها شاعر من قبل

دع لهما الطريق

سفينة الصحراء

أسطرلاب جدك

وابتعد

*  *   *

بين خلدون و روزا

أرخبيل الكلمات

 بلغات عدة

أكثرها برقا ورعدا

لغة الصمت

حريق و حريق

رجل و امرأة زرقاء في حالة حب

و نداء غامض من جهتين ..

قبل الطوفان و بعده

تسونامي

تسونامي

نامي يا سيدتي

نامي

ما من أحد في القرية

في هذا الزمن الدامي

يدعو أحدا

لوليمة حبّ

أو لمجرّد قتل الوقت

ولا جدوى

بعد الطوفان

من استبقاء يدي

 بأصابعها المقطوعة بين يديك

ولا جدوى من أي شجار سيدتي

فأنا لأحبّك

 لم أقتل أحدا

وأنا لأحبّك  ...

راقصت الشجر النامي

فتشابك أخضره مع أزرقه

أعني المتوسط أو ما جاوره

ورأيتك

لا جدوى بعد الطوفان

 من الهذيان كثيرا

حول حدود الحلم

وشكل الوردة في المرآة

ولا جدوى من تاريخ خرب

يتكرر في أيقونة شامبنزي منسوخ ..

       *       *         *

قبل الطوفان

تشكّل غيم أسود

وانتشرت للتوّ ملايين الغربان

وقيل لسيدتي في البرج :

دعي ما بين يديك إلى حين ...

امضى أعلى ما يمكن .....

واحتلّي أعلى درجات السلّم

حيث النجمة .

بعد قليل

تخلو الأرض من الأشياء

و بين مناكبها

تثغو

من خوف في الأحشاء

ملايين الخرفان الضالة.

أما الروح

فليس لها إلا ... الطوفان

فكان لها ما كان لنوح :

طوفان في حجم الرعب

ورعب في حجم الطوفان

 

القرية

 كل القرية

 تاريخ في قمقم عفريت

امضي يا سيدتي

أعلى ما يمكن

أعلى من ثرثرة البركان

و من ديناميت الأجداد و قد رحلوا ...

أعلى من كل يد سوداء

و أعلى من لغة الحمقى

امضي يا سيدتي الأعلى من كل نساء العالم

واحتلّي أعلى درجات السلّم

حيث النجمة

أنت النجمة، لو تدرين

ولا طوفان سوى طوفانك

يجرف أدران المعمورة

 في هذا الزمن الدامي .

! المجد  لروزا 

- قال أرسطو -

وهو ينقّح دستور العهد القرطاجنّيّ

لتقرأه روزا

بندا ، بندا

بعد الطوفان ،على الغرقى

وقد انقلبوا أعذاق نخيل خاوية ...

! المجد لروزا

قال أرسطو ...

أمضى وقتا

وهو يفكّر ثم مضى ...

أما روزا

فقد ارتفعت أعلى ما يمكن

حيث النجمة .

 

تسونامي

تسونامي

نامي يا سيدتي ، نامي

القرية نائمة

وكذلك ألغامي

لي منك

عواصف لا تحصى

فدعيني أغرق في صمت فيثاغوريّ يا روزا

لأراك مع الفجر امرأة أخرى

في عاصفة

هي لو تدرين

يد الإنسان القادم يا روزا

  ! تسونامي

    تسونامي

ما هبت عاصفة الإنسان القادم بعد

ويلزمها

لتهبّ على المنوال الأمثل

صمت فيتاغوريّ ، كاسر .

 

الغموض ، تلك النخلة ....

 

من "زردة"

 انطلقت قوافله إلى أقصى الأقاصي

... كان أقصى ما يفكّر فيه

أن يطأ التراب، ترابها ..

هو خارج السرب

انحنى

لتمرّ سيدة السراب

مليئة بالماء

بل بالمستحيل ..

ولم تقف

إلا لتمعن في الهروب

وقي التخطف كالسّراب

ولم تقف

إلا لتوقف عقربي زمن الرقيب

ولم تكن أنثى هنا،

أنثى الوجود بأسره

إلا لغاية أن تؤجّج نارها و سرابها

من "زردة" انطلقت قوافله محمّلة بعطر الشرق

ليس جريمة ما كان منها :

أنّها نسيت وحيد القرن

بين قصيدتين

يخط ثالثة وقد نسي الطريق

-وتلك مشكلة- إلى بيت القصيد ...

وليس معضلة ..

ضلوع قصيدة في ما به تشقى طوال حياتها

أعني الغموض

بفيضه تتعملق امرأة لتصبح نخلة

وبفيضه أيضا

يراها العابرون قصيدة

أعلى من النقّاد، إن وجدوا

وأعلى من يد الفاشست : عشاق البنى السفلية ، البث المباشر و الغبار

كأنّ ما يدعو إلى الطوفان لا يدعو إلى إلغد :

حيث إنسان جديد

يلتقي في الفيض إنسانا جديدا

أو كأنّ قصيدة الأطلال ما اندثرت تماما

من مدينة آخر الحمقى

ومن مخياله الشعبيّ ...

بي ...

ما بالفراشة من حنين دائريّ

كي تعود إلى الحريق

وبي حريق دائريّ

أن أكون فلا أكون هناك

بين فراشتين ...

فراشة للاحتراق ...

 

بورتريه1

 

وخلدون هذا، عليه الكلام

من البشر المولعين بما جاء في كتب الأوّلين من الأنبياء

رسالته أن يكون جميلا

وأن يتجلّى

لعشّاقه الكثر في شكل أوديسّة من ملاحم هذا الزمان

فإن جاء في بوحه

ما يشاكل قصّة يوسف وهو النبيّ، عليه السلام

فذلك محض اشتباك

مع الجذر في نسغه المتحلّب عبر العصور

 

هو نفسه، الدرب الذي أفضى إلى بئر الحقيقة والمجاز

ولا مفرّ لإخوتي

متساكني الأرض الجديدة من خطاي

سأقتفي آثارهم

فهم الجناة

(..وقد رموا في البئر يوسف

)! فانتهى أعمى أبوه

 وقيل إن الذئب

جئ به

فأنكر أن تكون له يد

و بكى

فلم يصمد دم في حمضه النوويّ

وارتجف القميص ..

 

بورتريه 2

 

...هو إذ يفكّر

- وهي فيه-

يد تجوس فراغه .

 

هو إذ يفكّر

-وهي فيه-

غد يدكّ دماغه .

 

للشّاعر امرأة ..

تفرّ إليه ، منه ...

و تحتمي بيديه ...

! ما أقسى الفراق 

 

لغم الحقيقة

 

كل شيء كئيب هنا :

الطريق، الوجوه، السماء...

خطى امرأة

تتأبط فارسها باتجاه الحديقة،

لون الحقيقة

في مثل هذا الصباح الخريفيّ ...

طعم الرحيل

إلى ما وراء البحار

كئيب أنا

مثل نظرتها تلك ...

حين التقينا أخيرا

لذا رحلت

وهي حبلى بأعلى غموض ...

بأحزان عصفورة حلقت عاليا و بعيدا

وبين الجناحين لغم الحقيقة ...

هل من جناحين لي

لأطير إليها

وأفنى هناك

شهيد ابتسامتها و يديها ؟...

هنا كل شيء كئيب :

على غير عادته

يئد الطفل بهجته ...

كل شيء

وعيناه شاخصتان

إلى البحر .

 

 نافذة ثانية

 

بمجرّد أن طارت،

حط العصفور الأول في كفي والثالث ...

وانخرطا من ثمة في صمت

لم يفهمه العصفور الثاني

فاستلقى بين الرئتين

قبالة نافذتي المفتوحة

يحلم بامرأة

ستحط غدا أو بعد غد

في مرعى الجرح

على الغصن المتأرجح

 من قبلي .

 

الطوفان

 

كأنّنيه ..

كأنّني الطوفان

جاء لتوّه

برسالة ...

ليبثها في من تخلف من جحافل شعبه ؟...

كأنّنيه

وليس كفرا أن أرى أوديسّتي

في ما رآه الأنبياء

عليهمو منّي السلام ،

كأنّنيه

أنا هو

اسمي اسمه

ورؤاه لي

فأنا الوريث

 وريثه الشرعيّ، لو يدري الرواة

أنا ابنه

لا ، بل أنا هو ...

وهو أصل نبوءتي

في الأرض ، أرض الطالحين وقد طغوا

لا ، بل أنا هو ...

جاء بين بداية فنهاية، ونهاية فبداية

لأكونه

وكأنّني ما كنته إلاّ لأرجعه إلى هذا الزمان

وقد تفرعن فيه آلاف الطغاة ...

كأنّنيه

أعود فيه

وبي من امرأة العزيز حكاية تروى

وبي من إخوتي الجشعين ...

ما لم يرو بعد

لذا سأرويها الحكاية مرتين

لكم و لي

بطريقة لم يروها شاهين أو درويش

أو من لفّ لفّهما

سأرويها

ولو كره الرواة

من الذين إذا رأوا  قمرا أو امرأة

بكوا

وليسمح الشعراء، إن وجدوا،

 بأن نرقى معا والآن ...

هذا السلّم الشعريّ حتى آخر الدرجات فيه

وأن نطلّ على القصيدة

وهي تلطم صدرها

وتفرّ من قرّائها

من عابري هذا الزمان...

إلى جزيرة خاتم الشعراء

حيث الأبجدية تنحني لحروفها

والياسمين

يدكّ اسوار المكان ...

  *    *     *

لذلك ارتفعت

من الذات التي تتلو قصيدتها هنا

قبل رحيلها يوما ، يدان ...

أجنّ شاعرها هناك

-وليس شاعرها بمجنون -

ليلقيها هنا ...

من نفسه

بالطابق العشرين منه

أمام جمهور من المتفرجين ؟...

أجنّ فعلا

وهو بين يدي قصيدته يحاول أن يراقصها

على مرأى من... المتفرّجين ؟

 لعلّه....

لكنّ ما يبدو غريبا

-وهو يعلو : نخلة ملء اليدين-

هروبه الفجئيّ من شفتي قصيدته

إلى امرأة بلا شفتين ....

في المبنى المقابل للقصيدة

حيث لا ينبوع إلا وجهها ...

هو وجه روزا ، وجهها ...

ولأجل روزا اخضرّ بعد رابع :

لتعود أندلس الزمان المخمليّ

وللهوى قرطاجه المتوسّطية ...

فأسألوها جدّتي ،

علّيسة الحلم القديم

لم ارتمت في النار

حتى لم يعد للنار

ما يدعو إلى تكرار فعلتها مع غيره؟ا

هي تاء تاريخ بأكمله

اسألوها

واتركوا فرجيل بين إلاهتيه

يقول ما أخفاه ، في "إنياذة" أخرى ...

تؤرّخ للدخان ...

ولا تؤدّي دائما،

حتما ،

إلى روما

وقد بسطت جناحيها هناك

على الخريطة كلها .

 Youssef.rzouga@gmail.com