نحيب الطواحين في قفر ماء
طالب هماش
لم يكن غيرُ صوتٍ ضريرٍ
تكرّرهُ الريحُ
وهي تهبُّ على الشجرِ الميتِ
ثم يلاشيهِ بين الفيافي
حداءُ المطرْ
..صوتُها المتهادي على قصبِ الحزنِ
مثل الهوادجِ في الليلِ
والمستحمُّ بصمتِ العشيّاتِ
مثل الحصاةِ بماءِ النهرْ
.* *
كان أشهى عذابا
وأعذبَ من صبوةِ الروحِ
إذ تتلجلجُ بين المواويلِ
أوجع من غصّةِ الناي
بين شفاهِ المحبّينَ
حين يشيخونَ فوق ضريحِ السهرْ
.* *
ألذلك كنتُ أصيخُ إليهِ
وأغفو على ساعدِ الريحِ كالمستهام
فلا تتراءى لعينيَّ غيرُ حمائمَ
ساهمةً في سماءِ من الوجدِ ،
والغيمَ مستغرقاً في المغيب
تنوِّرهُ الشمسُ مثل زهورِ الجمرْ ؟
* *
كلما هاجَ بيْ الشوقُ
لاحتْ سماواتُ ليلى
أشفّ بياضاً من الثلجِ تحت ضياءِ القمرْ
!والحمامُ تطايرَ من فسحةِ الصدرِ مثل الزغاريدِ
وانشقَّ وجهُ الهلالِ إلى توأمينِ رضيعينِ
يعذوذبانِ ضياءً ودرّْ
.فلماذا أشقُّ قميصي
إذا كانَ صدريَ مغرورقاً بالمطرْ ؟
* *
لكأنّي وليلى يتيمانِ في سكرةِ العشقِ
لا هيَ حين تراني ... تراني
ولا حينَ تشخصُ عينايَ في وجهها المستديرِ
أرى غيرَ بدرِ سمائي القديم ْ
.هيَ قلبيَ إذ تنبحُ الريحُ
من خلف أضرحةِ العاشقينَ
وماءُ عيوني المقطّر ُ
من دَمَعَاتِ الشموعِ الثكالى
على مريماتِ السوادِ العظيمْ
!هيَ شمسي التي تتشرَّبُ عند الغروبِ
نبيذي المسنَّ
وتخلدُ للموجِ في سكرةٍ أبديّهْ
..وهيَ الرمزُ إذ تتلاطمُ أجراسهُ في المجازْ
.حيثما صحتُ في ظاهرِ الليلِ ليلاهُ
..طاشتْ ضفائرُها المستحمّةُ في الريحِ مثل التعاويذِ
من صيحتي
..وتوجَّعَ رجعُ الصدى في الحجازْ
!انجديني إذن يا حمائمُ
مسِّي بذيلكِ صدري المعذَّبَ
كي يهدأَ الوجدُ فيّ
ويخبو التياعي
!وأهيلي على وجهيَ الجمرَ
كيما أثلّجَ هذا الفؤادَ
الذي أظمأتهُ العذاباتُ عن دمعها
واستهلي ضياعي
!فأنا ملكُ الخاسرينَ ،
الأميرُ الوحيدُ لعذريّةِ الليل
ماتتْ قصائدُ شعري
وحانَ وداعي ْ
.* *
لم يكنْ نرجسُ الفجرِ أجمل من وجهها المتورّدِ
مثل شقائقَ حمراءَ
حين يشقشقُ صبحُ العذوبةِ فوق مشارفِ دجلةَ
أو ماؤهُ المستفيض ُ
كرقراقِ ماء ِأنوثتها الساهدهْ
.* *
نحنُ من نحنُ حين يطيبُ اعتلالُ الهوى ؟
هدهدٌ حادبٌ فوق ضلع ِالهديلِ
وقبرةٌ في سنابلِ أقماحها شاردهْ
.كنتُ ألمسُ أهدابها
فيفوحُ عبيرُ الرياحينَ
ثم يلاشيهِ آهُ التشهّي
ليكشفَ عن شامةِ الدمعِ
في نهدها المتكوّرِ كالموجةِ العائدهْ
.يا أيادي الطفولةِ
لا تمسحي ندمي ،
واقطري الطلَّ فوق فمِ الروحِ
باردةٌ قطراتُ الندى .. باردهْ
.* *
..
هائمًا أتأمّلُ أطيافهاحين يسبحُ نهرُ السكينةِ بين الفراديسِ
هل طيفُها
ذلكَ المتزايل ُبين العراقِ ووادي القرى
لطخةً من بياضٍ على جسدِ الليلِ ،
أمْ شعرُها المترعرعُ في صيفِ ( نجدٍ
)كغزولةِ القطن ِبين السحاب ْ ؟
السرابُ الذي ما روى ظامئاً
ذلكَ المترائي
أمِ الريحُ في ربعها الميتِ ناحبةً
بأنينٍ جريحٍ
وراءاتِ حزنٍ مكرّرةٍ
في تجاويفِ هذا الصدى المتحشرجِ بين الشعابْ ؟
أم شعاعٌ من الصبحِ مرَّ رهيفًا
على وجدِ ليلى
فصيّرهُ الدمعُ مثل التماعٍ ضريرٍ
وضلَّ الطريقَ إلى الشمس ِ
عند الغياب ْ ؟
* *
لستُ أبصرُ في الأفقِ غيرَ هلالٍ وحيدٍ
يقطّرُ أعنابَهُ خمرةً من دماءْ
.لستُ أبصرُ إلا سحاباً شديدَ الشحوبِ
يفيضُ على قلبيَ المتعبّدِ بالمطرِ المرّ
فيما الذئابُ التي افترستْ وحشتي
تتنابحُ ضوضاؤها
كنحيبِ الطواحينِ في قفرِ ماءْ .
لكأنّ الليالي التي جمعتنا تلاشت
كما تتلاشى الظلالُ على الرملِ
والعاشقانِ على دمعِ روحيهما ذهبا
في خريفِ الدموعِ
ولم يبقَ من رَيَعَانِ الصبا
غيرُ خطٍّ على الرملِ مرتحلٍ
في ضياءِ المساءْ .طالب هماش
talebsyr@yahoo.com